الحرب ليست حلاً.. دعوة إلى مراجعة شاملة في الشرق الأوسط

الحرب ليست حلاً.. دعوة إلى مراجعة شاملة في الشرق الأوسط

بقلم: د. كاميران حاج عبدو

   في ظل التصعيد الخطير الذي يشهده الشرق الأوسط، ولا سيما عقب الهجوم الإسرائيلي على إيران، وما تبعه من ردّ إيراني على إسرائيل، ارتفعت أصواتٌ تحتفي بما جرى، وتصفّق له، كما لو أننا أمام نصر يستحقُّ الاحتفال. هذه المقاربة، التي تتجاهل حجم التعقيد والخطر الكامن خلف مثل هذه التطوُّرات، لا تعبّر عن وعي سياسي أو إنساني، بل تعكس رؤيةً ضيقةً تختزلُ المشهد في كراهية متبادلة وعداء إيديولوجي أعمى.

  نعم، النظام الإيراني نظامٌ استبداديٌّ، تحكمه عقيدة دينية رجعية، ويقوم على منطق القمع الداخلي والتدخُّل الخارجي. وهو لا يمثّل بأية حال من الأحوال تطلّعات الشعوب الإيرانية المتعددة الأعراق والثقافات، والمتعطشة إلى الحرية والديمقراطية والكرامة. ونعم، للفلسطينيين الحقُّ الكاملُ في إقامة دولتهم المستقلة إلى جانب إسرائيل، وفق مبدأ حل الدولتين. لكن، رغم كل ذلك، فإن الترحيب بالحرب، مهما كان الطرف الذي يطلق شرارتها، هو خيانة للقيم الإنسانية، وتهديد مباشر لأمن شعوب المنطقة والعالم.

الحربُ ليست حلاً، بل كارثة شاملة. تنتشر كالنار في الهشيم، وتخرج عن السيطرة لتتجاوز الحدود السياسية والجغرافية والإنسانية. وما نشهده اليومَ من هجمات متبادلة، وتصعيد واستفزاز وردع، لا ينذر إلا بمزيد من الدمار، وقد يفتح الباب على مصراعيه أمام صراع إقليمي واسع، وربما أمام حرب عالمية ثالثة، في وقت يعاني فيه العالم من هشاشة غير مسبوقة على مختلف الأصعدة.

هل نحن فعلاً بحاجة إلى جبهة حرب جديدة تُضاف إلى قائمة الأزمات التي تُنهك البشرية؟ ألا تكفينا الكوارث البيئية، والانهيارات الاقتصادية، والمآسي الإنسانية، وتفشّي الفقر والنزوح، وانعدام الثقة في المؤسسات الدولية؟

في قناعتي، لا يصفّق للحرب إلا مَنْ يجهلُ حقيقتها، أو من يفتقر إلى البصيرة، أو من تحكمه العاطفة العمياء. فالحرب، حين تنشب، لا تميّز بين ظالم ومظلوم، ولا بين مذنب وبريء. إنها تجرف الجميع في طريقها، ولا تخلّف وراءها سوى الخراب، والدموع، والرماد.

 إننا في أمسّ الحاجة إلى أصوات عاقلة، تقف إلى جانب السلام لا إلى جانب السلاح، تدعو إلى الحوار لا إلى الرصاص، وتؤمن أن المستقبل يُبنى بالكلمة، لا بالقنبلة.

  لكن، لئلا يُساء الفهم، فإن رفض الحرب لا يعني القبول بالاستبداد أو الخضوع للأنظمة القمعية. على العكس، إنه تعبيرٌ صادقٌ عن الإيمان بحقّ الشعوب في تقرير مصيرها، ومحاسبة حكّامها، والتمتع بحرياتها الأساسية وكرامتها الإنسانية.

 هنا نصل إلى جوهر المسألة: الشرق الأوسط لا يحتاجُ إلى مزيد من الحروب، بل إلى مراجعةٍ شاملةٍ، سياسية وثقافية واقتصادية، تضعُ العدالة والديمقراطية في صميم أي مشروع مستقبلي. مشروع يعترفُ بتنوُّع شعوبه وأديانه، ويكفل الحرية والمساواة لجميع مكوّناته التي أسهمت معاً في بناء حضارته وثقافته وتاريخه، وذلك على قاعدة العدالة وصون الكرامة الإنسانية.

 الشرق الأوسط، الذي كان يوماً مهدَ الحضارات والديانات، يجب أن يكون أيضاً مهداً لنهضة جديدة، تنهض من تحت ركام الاستبداد والصراعات. نهضة تتّحد فيها شعوبه، التي لا بد أن تكون حرة، وتتمتع بالمساواة التامة، من أجل مستقبل يستحق الحياة… مستقبل يُبنى فيه الإنسان، لا يُدفن تحت أنقاض الحروب.